مخرجة 'نساء في صراع' تقول إن أهم مشكل في السينما هو التمويل
بثينة خوري : الكاميرا سلاح المثقفين والمبدعين
11:06 | 24.02.2006 الرباط : أمينة بركات | المغربية
من بين المهن والتجارب التي خاضتها المرأة، واستطاعت أن تحقق فيها النجاح، هي الصناعة السينمائية، ليس فقط كممثلة، بل كمخرجة بالرغم من أن المهنة ليست كأي عمل عادي، لأنها تخضع لضغوطات كبيرة من بينها الوقت والجهد، مما يحول دون استمرار العديد من السينمائيات في هذا المجال بعد الزواج، لأنه يأتي على حساب الأسرة، كما هو الحال بالنسبة لميدان الصحافة، ومع ذلك نجد أن صناعة الصوت والصورة أصبح قبلة للنساء اللائي اخترن العين الثالثة لتسليطها على مواضيع تهمهن عن قرب.
أفيش فيلم 'نساء في صراع'

وحتى نلامس جوانب الموضوع وقفنا عند محطات معينة مع المخرجة الفلسطينية بثينة كنعان خوري، وهو اسم انضاف إلى لائحة المخرجات العربيات، صوت أراد بعمله أن يعري حقائق مستورة، وهذا ما تم من خلال إخراجها لفيلم "نساء في صراع" شريط وثائقي يصور معاناة الأسيرات الفلسطينيات، موضوع حساس لما فيه من خروقات لحقوق الإنسان في زمن ترفع فيه شعارات الدفاع عن سلب الحرية من الفرد بلا موجب حق.

اشتغلت بثينة مخرجة مستقلة قبل أن تنشئ مؤسسة مجد للإنتاج سنة 2000 حيث قامت بإخراج مجموعة من الأشرطة الوثائقية، درست السينما والتصوير ببوسطن في الولايات المتحدة الأميركية، وتعتبر أول فلسطينية عملت مصورة سينمائية قامت بتغطية العديد من الأحداث في الشرق الأوسط لحساب قنوات تلفزية بفلسطين.

"نساء في صراع" هو أول فيلم وثائقي يحمل إمضاءها كمنتجة، مصورة ومخرجة
عن تجربتها ونقاط أخرى كان لنا معها هذا الحوار، أول سؤال كان حول إيمان بثينة بوجود سينما نسائية اعتبارا أن هناك من يدافع عن هذا الطرح، انطلاقا من أن المخرجة أقرب إلى مشاكلها من الرجل وبالتالي فهي أكثر مصداقية في تناولها ومعالجتها من جميع النواحي.

وهناك من هو ضد تجنيس السينما باعتبار الصورة هي سيدة الموقف مبررين بذلك أن هناك العديد من السينمائيين الرجال ممن عالجوا قضايا المرأة وتوفقوا في طرحها، موقف بثينة جاء كالتالي : "أنا أؤمن أن هناك سينما وحان الوقت لتعالج قضايا المرأة بشكل عام وخصوصا المرأة العربية وهناك مبدعات كثيرات في العالم، وأرى أن الدعم والجرأة ضروريين حتى نحاكي ونعالج القضايا الخاصة بالنساء بكل صراحة وقوة لتعمل على تغيير بعض المفاهيم التي عادة ما تكون السبب في بعض المشاكل التي تعاني منها المرأة خصوصا العربية".

وبما أن المجال بصفة عامة لا يخلو من مشاكل، وعن نوعية المشاكل التي صادفتها في تجربتها السينمائية كمخرجة تجيب : "المشاكل كثيرة ولكن لا تمسني كامرأة بل لأنني اخترت أن أكون مخرجة فلسطينية مستقلة، أحاول دائما أن أبحث عن الحقيقة التي كلنا بحاجة إليها، لطرح قضايانا المهمة بالرغم من أن البعض يعتبرها محرجة، كوننا ننتمي إلى مجتمع محافظ وأصولي، ومن أهم المشاكل التي أواجهها طبعا مسألة التمويل حيث يعاني منه الجميع على حد سواء، مخرجين ومخرجات ويعود ذلك لعدم الإلمام الكافي بأهمية السينما الوثائقية خاصة في طرح القضايا المجتمعية والإنسانية البحثة فتوفير الدعم المادي محليا يكاد يكون منعدما، لنصبح مضطرين للجوء إلى المصادر الأوروبية والأجنبية التي تفرض علينا بدورها في بعض الأحيان بعض القيود التي يجب أن نلتزم بها، حتى نعمل على ما يسمى بإيجاد التوازن خصوصا عند طرح قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأيضا هناك مشاكل في التوزيع حيث كثرت المحطات الفضائية ولكنها لا تدعم وللأسف إنتاج أو توزيع الأفلام الوثائقية، وإن كانت هناك منها مثل محطة العربية ام ب س إلا أنها غير كافية في مدها الدعم المادي حتى نتمكن نحن المستقلين من عمل المزيد من الأفلام وباقي المحطات تشعرنا أننا ممنونون لها بعرضهم لأفلامنا بلا مقابل، وحبذا لو التفتت بعض المحطات، وهي كثيرة لأهمية خوض مضمار الإنتاج أو المساعدة في إنتاج الأفلام الوثائقية محليا، أما باقي المشاكل فلا تعد ولا تحصى ولا يسعفنا الوقت لتعدادها".

المعروف في الوسط السينمائي أن الكثير من النساء العاملات في هذا المجال غالبا ما يشتغلن أمام الكاميرا كممثلات، كما كان الحال في سنوات طويلة كسرت احتكار الرجل لهذا الاختصاص بعد أن قررت خوض تجربة الإخراج والوقوف وراء الكاميرا لتصبح المايسترو الذي يقود اوركسترا فنية وتقنية على غير عادتها، وعن سبب اختيارها الإخراج تجيب بثينة : "أنا أعتبر أن الكاميرا هي سلاح المثقفين والمبدعين وكلي أمل من خلال الوقوف وراء الكاميرا أن أستطيع شخصيا طرح قضايانا المهمة التي تستحق الوقوف عندها، خصوصا القضايا التي تهم المرأة الفلسطينية العربية من منطلق إنساني منطقي جريء، فإما أن أقف أمام الكاميرا أو خلفها المهم هو ما نطرحه من خلال السلاح البناء الذي نستطيع أن نعمل عبره على تغيير الحال والتأثير على المجتمع بشكل فعال وعليه يقال إن الصورة تساوي أكثر من ألف كلمة".

وحتى تختار مخرجتنا هذا العمل لابد وأن تكون على علم بأن الطريق معبدة بالأشواك ومحيطة بالعديد من العقبات يعاني منها كل العاملين في الفن السابع كالإنتاج والتوزيع وعناصر أخرى تمثل أساسا البناء الفيلمي، ومع ذلك صممت على دراسته والعمل فيه، فكيف كانت البداية لدخول هذا العالم الساحر الذي يستحوذ على قلب كل من يحبه ويتعامل معه، وبالنسبة لمخرجتنا : "المشاكل موجودة في كل مجال، ولكن مشاكل السينما كثيرة ومتعددة، وكان والدي يقول لي إذا وجدت الرغبة وجد الإنتاج، ومنذ صغري أرى نفسي كمخرجة وعند إنهاء دراستي الثانوية في فلسطين توجهت إلى أميركا حيث حصلت على بكالوريوس في الإخراج والتصوير السينمائي وتخرجت برتبة الشرف وعدت بعدها إلى فلسطين في بداية الانتفاضة الأولى لأبدأ العمل وساعدت العديدين في عملهم وصورت الكثير من الأفلام منها الوثائقية كما قمت بتغطية الانتفاضة حتى سنة 2000 وهو تاريخ تأسيس شركة خاصة في رام الله، وكان باكورة أعمالي شريط، نساء في صراع، عرض في مجموعة من المهرجانات العالمية وفاز بثلاث جوائز كما عرض على الشاشات العربية والأوروبية".

يبدو أن بثينة خوري تحمل هم بنات بلدها من المناضلات اللائي يتعرضن للمضايقات ويعانين من قهر الجنود الإسرائيليين، معاناة على أكثر من مستوى النفسي والجسدي والاجتماعي سواء كأم، كزوجة ورفيقة أو كإنسانة تحمل الهوية الفلسطينية، ويكفي هذا لتصبح في اللائحة السوداء للسلطات الإسرائيلية، فهل لها مواضيع أخرى تدخل في إطار اهتماماتها كمخرجة أخذت على عاتقها الكشف عن ثلاثية القهر الناتج عن الاحتلال والتعدي؟ الجواب أن : "المواضيع التي تهمني بالدرجة الأولى هي التي تخص المرأة الفلسطينية العربية والمواضيع الإنسانية المجتمعية التي تطرح لأول مرة وتناقش بطريقة جريئة مختلفة، وهي التي تستقى من واقعنا وتعالج مواضيع مميزة لم يتم تناولها من قبل".

ولأن بثينة خوري لا تهدأ بل تعمل كثيرا وتتحرك في كل اتجاه بحثا عن الصورة الناطقة وتشارك في المهرجانات باعتبارها مناسبة للتعريف بأعمالها وتقديمها للمهتمين بالحركة السينمائية عامة والفلسطينية خاصة، كان السؤال التالي عن رأيها في أول مهرجان لسينما المرأة الذي أقيم في السنة الماضية بفلسطين، هل هو اعتراف بها كمبدعة أو مجرد احتفالية قد لا يضيف لها شيئا، فجاء ردها حاسما مقتنعة بأن : "أي نشاط كان أو مهرجان يتناول السينما ويكون موضوعه المرأة هو شيء جميل، ولكن المخرجة ليست بحاجة لمهرجان حتى يتم الاعتراف بها وبقدراتها الإبداعية ولكن ما تحتاجه بشكل ملموس هو توفير الدعم المادي والمعنوي المحلي حتى لا تلجأ إلى المصادر الأجنبية لإنتاج أعمالها وطرح قضاياها المهمة وأن يكون هناك دعم جدي من قبل المؤسسات المحلية وخصوصا النسوية منها، وذلك بنشر وتوزيع وشراء الأفلام ثم توظيفها في نشاطاتها المحلية والدولية.

وأضافت أن المرأة استطاعت منذ زمن أن تجد لها مكانة مرموقة في جميع الميادين الحياتية ومنها السينما لكن هذه الأخيرة بحاجة إلى المزيد من الاهتمام من قبل النساء لمعالجة قضاياه بلا تردد لدعم بعضها البعض.

وهناك العديد من الأمثلة العربية والعالمية التي يحتذى بها من دون ذكر الأسماء ولكن مازالت تحتاج للشعور بالثقة بقدراتها وإمكانياتها وتذليل العقبات من أمامها حتى تتمكن من المزيد من الإبداع.

أما هل يمكن للسينما أن تساهم في تحسين صورة المرأة في الإعلام تقول : "أنا أعترض على السؤال أصلا لأن المرأة لا تحتاج الى تحسين صورتها في الإعلام وإنما تحتاج إلى المزيد من فرص العمل لطرح قضاياها ومعالجتها بكل احترام وجرأة حقيقية ومن حقها لفت النظر للمشاكل العديدة التي تعاني منها، وذلك من خلال السينما الجادة التي تهتم بحقوق الإنسان بشكل عام وحقوق المرأة بشكل خاص".

السؤال لم يكن اعتباطيا أو مجانيا لأن العديد من البحوث والدراسات التي تناولت المرأة في وسائل الإعلام تدور في فلك واحد، وهو تقديم الصورة التقليدية للمرأة وتلخص كيانها في الأم والزوجة ربة البيت بعيدة عن العنصر الفاعل في تنمية البلد والمساهمة في صنع القرار في المجتمع الذي تعيش فيه هذا مقابل القليل من الأفلام التي قدمتها في صورة إيجابية وفي المكانة التي تستحقها.

ونعود إلى شريط المخرجة "نساء في صراع" الذي يسلط الضوء على التجربة الكفاحية للمرأة الفلسطينية وحضورها في المعترك النضالي الذي قادها إلى السجون الإسرائيلية دون أن ينقص من عزمها على مواصلة النضال والصمود في وجه العدو، حيث قالت عنه : "الشريط يتعرض لتجربة أربع أسيرات محررات عايشن التجربة النضالية والاعتقال والتحقيق، وما يرافقه من تعذيب وصمود وصولا إلى المحاكمة والحياة الفردية والجماعية في الأسر ثم مرحلة الخروج من المعتقل والعودة إلى الحياة العادية وما يرافقها من صعوبات الاندماج والتفاعل من جديد، الفيلم يذكرنا بشريط "محاصرات" الذي أنجزته المخرجة الإسرائيلية أنات افين وتنتمي هذه الأخيرة إلى تيار السينما الإسرائيلية الجديدة التي تحاول أن تعيد النظر في القضية الفلسطينية بعيدا عن النزعة الصهيونية التي وضعت الشعب العربي في خانة الإرهاب ولعل القاسم المشترك بين المخرجتين هو الاهتمام بشريحة معينة من المجتمع الفلسطيني الذي لم يأخذ حقه من الإعلام، وهي فئة النساء التي تمارس حياتها تحت بنادق الجنود المحتلين والآثار السلبية التي تتركها الممارسات اللاأخلاقية لهؤلاء على نفسيتهن.